السيد عباس علي الموسوي
303
شرح نهج البلاغة
بهذه المرتبة العالية التي بلغت الرقم القياسي إذا نظر في أمر لا بد من أن يعود منه بالوجه الصحيح والسليم ، ولن يكون لغيره ممن ينظرون لأنفسهم عمق نظرته وسعتها لأن نظره لهم كان عن خبرة ودراية ودخول إلى بواطن الأمور وحقائقها . . . فربّ ناظر لنفسه بعين الشهوة والرغبة ، وربّ ناظر آخر ينظر بعين المنفعة والربح المؤقت ناسيا خلفيات وسلبيات هذا الاختيار . وكم يكون الفرق شاسعا بين إنسان اختبر الحياة ووقف على مجاري الأمور ومداخلها ومالها وما عليها . وبين آخر نظر إليها نظرة سطحية من الخارج فلا شك في أن نظر الأول أشد صوابا وأقرب إلى الحق من إنسان يعيش على هامش الأمور وظواهرها . فالإمام يريد أن يقول لنا أن توجيهاته ونصائحه وتعليماته وإرشاداته أقوى وأعظم وأشد صوابا من نصائحنا وإرشاداتنا لأنفسنا . . . وإننا مهما بالغنا في البحث والاستقصاء فلن نبلغ مبلغ بحثه واستقصائه . . . ( واعلم يا بني أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ، ولعرفت أفعاله وصفاته ، ولكنه إله واحد كما وصف نفسه ، لا يضاده في ملكه أحد ولا يزول أبدا ولم يزل . أول قبل الأشياء بلا أولية وآخر بعد الأشياء بلا نهاية . عظم عن أن تثبت ربوبيته بإحاطة قلب أو بصر ) الإسلام ليس معناه أن تؤمن باللهّ فحسب ، وإنما جوهر هذا الإيمان وحدانية اللّه وتنزيهه عن الشريك فإن لا إله إلا اللّه نفي لكل إله في الكون ما عدا اللّه . . . والإيمان باللهّ الواحد الأحد قامت البراهين عليه نذكر منها : الأول : إنهما لو كانا اثنين وأراد أحدهما تحريك جسم مثلا وأراد الآخرة أن يسكن فإن وقع المرادان اجتمع النقيضان ، وإن لم يقع شيء منهما ارتفع النقيضان ، وإن وقع أحدهما دون الآخر لزم الترجيح من غير مرجح والكل محال . الثاني : إننا نرى وحدة النظام والتوافق التام بين جميع أجزائه من صغيرها إلى كبيرها ، من قمرها وشمسها وبحارها وأنهارها إلى كل ذرة في الكون . وهذا النظام والتنسيق والترتيب لم يحصل ولن يحصل لو كان هناك إلهان ، بل يؤدي وجودهما إلى فساد السماوات والأرض إذ كل واحد يستقل برأيه وينفرد بصنعه ، وهذا يؤدي إلى الفساد والضلال ، فمن وحدة النظام وتناسقه نستدل على وحدة الصانع وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللّهُ لَفَسَدَتا . . . وقد قال الإمام الصادق عندما سأله هشام بن الحكم : ما الدليل على أن اللّه واحد فقال : اتصال التدبير وتمام الصنع كما قال عز وجل : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللّهُ لَفَسَدَتا . الثالث : إجماع الأنبياء فإنه لم يأت نبي من الأنبياء يدعي أنه من عند غير اللّه